الرئيسية / ثقافة وفن / في معاني الهجرة النبوية الشريفة: الهجرة كمنهج كوني للتغيير

في معاني الهجرة النبوية الشريفة: الهجرة كمنهج كوني للتغيير


فكرة التغيير وإنجاحه نالت اهتمام كل المفكرين عبر العصور والدعاة وذوي المشاريع السياسية والمجتمعية الكبرى وحتى رواد الأعمال التجارية عندما يهمون بإحداث ثورات وانتقالات من حالة يرفضونها إلى أخرى ينشدونها.

وقد نظَر العديد في هذا الباب لدرجة أن هناك من سطر مجموعة من المراحل اعتبرها ضرورية في إنجاح التغيير والتغلب على الذين يقاومونه. لكن بقراءتنا للإسلام كمشروع للأمة، نجد أنه جاء بمنهجية تغيير متكاملة، شكلت فيها الهجرة النبوية مرحلة فاصلة من أربعة مراحل

نظرا لقيمة الهجرة النبوية في الإسلام فقد اتخذها المسلمون كبداية التاريخ الإسلامي. ونحتفل بذكراها كبداية للعام الجديد. ولا شك أن تدارس هذا الموضوع يظهر لنا في كل مرة معاني جديدة ونكتشف جزئيات وقيما لم ننتبه إليها من قبل. وفي هذه الورقة سنترك تناول الهجرة من حيث قيم الإيمان والطاعة لأهل الاختصاص في هذا الباب، أهل الفقه، ونتناول المسألة من زاوية التغيير والإصلاح والتنمية.

من هذه الزاوية يمكن أن نعتبر أن الهجرة حلت كمرحلة ثانية من مراحل منهج في التغيير، قاد نموذجه الأول الرسول صلى الله عليه وسلم. وهو منهج ذو أربعة مراحل وهي بالتتابع: دعوة – هجرة –  – فتح- جهاد.

وهذا المنهج سنة من سنن الله في الكون ونقل إلينا عبر تجربة الأنبياء عليهم السلام لنتخذه كآلية للتغيير فيما يخص مشاريعنا الدنيوية المادية وخصوصا المعنوية التي تخص بناء المنظمات باختلاف أنواعها وتوجهاتها.

مرحلة الدعوة الأولى: حيث تنطلق من الفكرة الرئيسية للمشروع والإيمان بها وعرضها على أول المستهدفين، وعادة يكونون من المقربين. هي مرحلة عرض الفكرة الجديدة من أجل كسب الأنصار الأوائل الذين يشكلون النواة الأولى التي تتسع تدريجيا حتى تصل إلى حجم الكتلة الضرورية القادرة على إحداث التغيير.

المرحلة الثانية في هذه المنهجية هي الهجرة. ومن خلال هذا الطرح يصبح من البديهي أن مفهوم الهجرة يتجاوز التنقل الجغرافي إلى مفهوم أوسع هو التغيير أي الانتقال من حال إلى حال: الوضع الذي أنت فيه وتريد تغييره إلى الوضع المنشود الذي تتطلع إليه. وتكون الهجرة هنا بمثابة اتخاذ قرار بترك ما لا يلائم وخلق البيئة المناسب لبناء ما تطمح إليه.

وإذا كان المسلمون جعلوا من الهجرة بداية للتأريخ الإسلامي نظرا لما اعتبروه “حدا بين الحق والباطل”، فإن الهجرة باعتبارها مرحلة تندرج في منهجية كونية للتغيير انخرط فيها دعاة وأنبياء قبل الإسلام.

والهجرة من خلال هذه الزاوية ليست “هروبا من” صعاب أو اضطهاد أو مشقة، بقدر ما هي “توجه إلى” البناء على أسس جديدة. وفي حالة هجرة نبينا محمد (ص)، ابتدأت هذه المرحلة (مرحلة البناء) ببناء فعلي يرمز لها وهو تشييد مسجد قباء الذي يرمز بدوره إلى “مؤسسة” المرحلة الجديدة.

 

فأبونا إبراهيم عليه السلام هاجر أكثر من مرة ، وأهل الكهف هاجروا من قومهم وأووا إلى الكهف، ويمكن أن نعتبر أن اختيار سيدنا يوسف للسجن بدل ما يدعى إليه هجرة، حيث توافق معنى الحديث الشريف القائل بأن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. وسيدنا موسى عليه السلام هاجر بقومه بني إسرائيل تاركا البيئة الفرعونية التي لم تكن صالحة من أجل الذهاب إلى بيئة أفضل ليتقوى فيها.

والهجرة من خلال هذه الزاوية ليست “هروبا من” صعاب أو اضطهاد أو مشقة، كما يشاع في تدريس هذه المرحلة في بداية الإسلام، بقدر ما هي “توجه إلى” البناء على أسس جديدة. وفي حالة هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ابتدأت هذه المرحلة (مرحلة البناء) ببناء فعلي يرمز لها وهو تشييد مسجد قباء الذي يرمز بدوره إلى “مؤسسة” المرحلة الجديدة.

إذن نحن أمام منهج كوني في التغيير، يبتدئ بالدعوة وتكوين النواة الأولى للمناصرين ثم توسيعها حتى تصبح كتلة لها من القوة والطاقة ما يمكنها من إحداث التغيير. تبدأ هذه الكتلة بالتحرك في اتجاه البناء، وهذه بداية الهجرة. ومن طبيعة الأشياء أنها تجد كتلة أخرى تشاركها في المشروع بشكل غير مباشر وهي كتلة الإيواء والنصرة. حيث يمكن اعتبار الأمور الثلاثة: الهجرة والإيواء والنصرة تجليات مرحلة واحدة (مرحلة الهجرة)، بل إذا تمحصنا في النموذج الإسلامي سنجد أن كتلة الأنصار تبعوا تقريبا نفس الصيرورة من الجهة الأخرى: نواة صغيرة آمنت بالدعوة ثم بايعت الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة وعادت إلى يثرب لتكون الكتلة الضرورية لإحداث التغيير.

ويزكي هذا الطرح الجزاء الذي حظيت به الكتلتان في الأجر عند الله، حيث اعتبرهم عز وجل في نفس المرتبة: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) الأنفال 72.

وهنا لا بأس من إشارة جانبية لمفهوم الإيواء وهو، بقاموسنا المعاصر، منح “إقامة” لشخص مع ما تتضمنه هذه الإقامة من أمن وحماية وحقوق. ولهذا السبب على الأرجح سمى المسلمون يثرب بالمدينة أو مدينة رسول الله، لأنه أقام فيها بعد الهجرة (لو لم تكن إقامته لسميت قرية حسب المصطلح القرآني)، بل أن إقامته استمرت فيها حتى بعد الفتح  لما رجع ليمكث فيها إلى أن توفي ودفن بها صلى الله عليه وسلم.

أما فيما يتعلق بمفهوم النصرة، فخروج النبي من مكة هو نصر من الله بنص القرآن : ((إلا تنصروه فقد نصره الله)). والمنهجية تتطلب النصر من طرف الأتباع الذي يقتضي الثبات على النهج والاقتداء ثم الدعم والعون والمساعدة.

مرحلة البناء هذه هي أيضا لبناء الأفراد والفريق الذي يحدث التغيير الفعلي، وقد ظهر ذلك جليا في النموذج النبوي حيث كانت أول خطوة في هذا الباب هي المؤاخاة بين الكتلتين المكلفتين بالبناء: المهاجرين المنتمين إلى مكة و”المهاجرين” المنتمين إلى يثرب أي الأنصار. وقرأنا قصصا قوية الدلالة عن هذه المؤاخاة وكيف أنهم اقتسموا أموالهم وممتلكاتهم وآثروا على أنفسهم.

السير العملي للهجرة:

حديث النية أي حديث  “إنما الأعمال بالنيات” اعتبره جل علماء الحديث الباب الذي يدخلون من خلاله إلى علوم السنة، ووضعه معظمهم في مقدمة كتبهم.  ولعل من الأمور اللافتة للانتباه أن مناسبة وروده تتعلق بموضوع الهجرة: “من كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله”. فالرسول الكريم وهو يتحدث عن الأعمال بشكل عام ربطها بالنيات، ولكي يعطي المثل لم يجد عملا أعظم وأولى من الهجرة ليفسر به قيمة النية في الإقدام على أي عمل.

والحكمة هنا أن التغيير يأتي بعد التوكل على الله بتحديد الأهداف والتخطيط المحكم والأخذ بالأسباب والانتقال إلى الفعل لتنفيذ الخطة مع الاستعانة بأهل الخبرة في مجالاتهم.

وبلغة المعاصرين يمكن أن نعبر عن النيات بتحديد الأهداف ونستنتج بالتالي أن منهجية الهجرة في التغيير تنطلق بتحديد الأهداف. بعد ذلك تأتي عملية التخطيط والتكتيك: وتذكر كتب السيرة النبوية تفاصيل الإعداد للهجرة خصوصا في الجانب المتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره القائد للتغيير والمعرض للاعتداء عليه من طرف أعداء رسالته. وللتخطيط لعملية ذات قيمة كبيرة مثل هذه في محيط هو معاد للمشروع، توجب الحرص والتدقيق وقراءة العدو واستعمال المكر والخداع والتمويه اتجاهه بالإضافة إلى التخابر عليه. وتروي السيرة النبوية في هذا الباب تفاصيل مهمة.

فالتمويه مثلا كان بالانطلاق في البداية في الاتجاه المعاكس للوجهة الحقيقية والمكوث بغار ثور لمدة من الزمن. وكان التمويه أيضا من أبي بكر رضي الله عنه لما سأله عابر عن هوية الرسول الكريم فلم يكشفها بل أجابه بمكر: ” يهديني السبيل” ليجعله يفهم “دليلي في الطريق” وجاء في روايات أن أبا بكر عرف الرسول الكريم المتلثم للسائل في البداية بقوله ” هو من ماء” ليعتقد السائل أنه من منطقة تسمى “ماء”.

وقرأنا جميعا عن دور المولى عامر الذي كان يمر بغنمه في الطريق التي مر بها الرسول الكريم وصاحبه ليتلف ويخفي آثار أقدامهما. وعلمنا دور عبد الله الذي كان ينقل أخبار قريش إليهما ودور أسماء التي كانت تحمل لهما الطعام في نطاقيها. ونظرا لقيمة الهجرة في الإسلام فقد حظيت أسماء بلقب مرتبط بها وهو ” ذات النطاقين”.

من الدلالات المهمة أيضا في الجانب العملي مسألة اختيار الدليل في الطريق بين مكة ويثرب وهو بلغتنا المعاصرة “المختص” في ميدان معين الذي يساعد بخبرته في الوصول إلى الهدف حتى وإن لم يكن مؤمنا بالمشروع.

والحكمة هنا أن التغيير يأتي بعد التوكل على الله بتحديد الأهداف والتخطيط المحكم والأخذ بالأسباب والانتقال إلى الفعل لتنفيذ الخطة مع الاستعانة بأهل الخبرة في مجالاتهم.

المرحلة الثالثة من مراحل التغيير التي تلي مرحلة الهجرة (البناء) هي “الفتح” ويمكن أن تسمى أيضا بالتمكين ونسميها بلغتنا المعاصرة “الانطلاقة” الفعلية أو “مرحلة السرعة القصوى” حسب تنوع المشاريع. وخلال هذه المرحلة يكون التغيير قد بني برجاله وفق المنهج وحان الوقت ليتم الاشتغال وفق ما جاء به التغيير وقد تم القضاء على المرحلة السابقة بسلبياتها وعاداتها السيئة. يعني تم النصر لمشروع التغيير وبدأ الناس يدخلون فيه أفواجا.

وتأتي المرحلة الرابعة في أي تغيير وهي مرحلة الجهاد بمعنى التعزيز والتوسع حيث يجب تعزيز المكتسبات التي تم الحصول عليها والحفاظ عليها وتوسيع المشروع ليصل إلى أبعد مدى ممكن. وهذه طبعا هي المرحلة الأطول والأصعب من حيث أن رجالها قد يكونون هم الجيل الثاني من الكتلة الأولى الذين تم إعدادهم كخلف لهم، ويتعين عليه المجاهدة لمسايرة التغيير وملاءمة الفكرة الأصلية عبر الزمن ومواجهة التحديات الجديدة التي تظهر دون الزيغ عن النهج الأصلي الذي جاء به التغيير.

هذه باختصار هي دورة التغيير وفق منهج الهجرة والمتكونة من أربعة مراحل هي: الإيمان/ الدعوة، فالهجرة/ البناء، والفتح/ التمكين ثم الجهاد/ التعزيز والتوسع.

 

عن حمو جديوي

شاهد أيضاً

Bouillon de culture تقدم “سلا، عبور عاشق” لمؤلفته غيثة عواد

على هدي خطى غيثة عواد، طوال عبورها العاشق لمدينة سلا، تفصح مدينتها الأصلية عن أزقتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *