الرئيسية / الرأي / تشابه البقر علينا فقمنا بتسفيه النواب وتمييع السياسة

تشابه البقر علينا فقمنا بتسفيه النواب وتمييع السياسة

انتشرت في السنتين الماضيتين على وسائل التواصل الاجتماعي مقالة صغيرة حول عدم جدوى عمل البرلمانيين. والمشكلة أن ذلك تم بشكل سخري عبر تسفيه نواب الأمة وتفضيل البقر عليهم. المقالة تأتي بطرح على هذا الشكل:
” لو استغنينا عن مجلس النواب لعام واحد فقط وقمنا باستثمار رواتب البرلمانيين من خلال شراء أبقار حلوب .. و باعتبار أن عدد البرلمانيين “كذا” برلماني و أن راتب الواحد منهم “س” مليون و أن سعر البقرة حوالي مليون، من خلال عملية حساب بسيطة سنجد أنه بإمكاننا أن نشتري كل شهر 1250 بقرة حلوب وبعد سنه واحدة فقط، سيكون مجموع اﻷبقار 15ألف بقرة ..
وسيصل إنتاج الحليب حوالي 300 ألف لتر يوميا باعتبار أن البقرة تنتج 20 لتر حليب باليوم
ولو استغنينا عن مجلس النواب دورة واحدة ذات الخمس سنين سوف يكون عدنا 75 ألف ويكون بإمكاننا منافسة الدنمارك وهولندا وباقي الدول المصدرة لمشتقات الحليب
أما بالنسبة لتكلفة أعلاف البقر و حظائرها وما يتعلق بذلك، فيمكن أن نغطيها من مصاريف السفر والنفقات الأخرى اللي يصرفها المجلس..”

ونظرا لطبيعة المقال السخرية والاستفزازية أيضا، فإنه انتشر بشكل واسع، ومن المحتمل أن تكون قد توصلت به من أحد أصدقائك، وربما شاركته أنت بدورك مع آخرين، من باب الدعابة والاستئناس.
لكن الموضوع ليس هزليا بالمرة!
كاتب المقال يسفه السياسة، ويسفه نواب الأمة ويتوقف عند ذلك.
لم يسفه الفاسدين
لم يسفه اللصوص
لم يسفه الخونة
لم يسفه الذين باعوا البلد وما يزالون يبيعونه بالتقسيط.
ولجهله أو تجاهله، الكاتب لا يستطيع أن يقول من أكل أموالنا، ومن أفسد أمتنا ومن يغتني بالملايير على حساب فقرائنا.
لا يا سادة
المشكل ليس في البرلمانيين ولا في البرلمان بصفة عامة، هؤلاء السياسيون، فيهم الشرفاء، وفيهم دون ذلك.
ومثل هذه المقالات تريد. أن تساوي الشريف بالدنيء، والملتزم بالوضيع، والنزيه بالمرتشي،
لا يا سادة، المشكل ليس في البرلمان، بل فيمن يفسد البرلمان، الذين يسرقون أصوات الشعب ومقاعد الشعب ليتمادوا في السرقة.
وكأن المقال يقول، لو أزحنا البرلمانيين، فإن الباقي نظيف وشريف ونزيه!!!
هيهات !!!
مثل هذه الكتابات ونشرها، لها هدف واحد: تمييع السياسة ودفع الناس إلى الاعتقاد بأن الفساد قضاء وقدر، وتقبله في اللاوعي، ومن ثم التشبث بالفساد لأنه ضامن الاستقرار.
يريدون أن يخيرونا بين الفساد والفوضى!
لماذا ؟
حتى ييأس الشرفاء ويتخلى الجميع عن تبني الإصلاح بالطرق المتعارف عليها، ولا يبقى أمامنا إلا هذان الخياران: الفساد أو تخريب البلد !

الفاسدون تواجدوا في عهد النبوة، وكذلك المنافقون، وكذلك الانتهازيون. وتواجدهم في بلدنا هذا وفي زماننا هذا أمر عادي. لكن إلى جانبهم يتواجد الشرفاء!

لا يا سادة!
الخير موجود، من أراد أن ييأس، ذلك شأنه، لكن لا يعادينا بيأسه، ومن شاء أن يكفر بالديمقراطية، فليكفر، لكن فليدع من يؤمنون بإمكانية التغيير أن يصمدوا، ويصبروا ويحاولوا.
في البلد رجال لم يشاركوا في العملية السياسية، وعاشوا على ذلك، وماتوا على ذلك، لكنهم لم يفسدوا ولم يؤذوا الوطن. لهم أجرهم.
وفي البلد رجال شاركوا، وتباروا وحاولوا، وماتوا على ذلك ولم يفسدوا، ولم يؤذوا الوطن، ولم يبدلوا تبديلا. لله ذرهم!
وهناك الفاسدون في البرلمان وخارج البرلمان. في الإدارة، والمدرسة، والمعمل، والشركة والسوق، والبادية. ينهبون، ويرتشون، ويجتهدون في السرقة، ويدفعون الآخرين إلى الفساد ويمؤسسون له. ليس البرلمانيون وحدهم، بل هم من جميع الفئات ومن جميع الأطياف.
هناك الشرفاء وهناك دون ذلك. .

الآن تخرج علينا مثل هذه الكتابات لتخلط الأمر، ولتساوي بين الجميع، ولتكرهنا في السياسيين، وتظلم علينا الدنيا وتسود المشهد في وجوهنا،
الصراع بين الخير والشر موجود دائما، وابتلاءات المؤمنين من سننه تعالى، والفاسدون تواجدوا في عهد النبوة، وكذلك المنافقون، وكذلك الانتهازيون.
وتواجدهم في بلدنا هذا وفي زماننا هذا أمر عادي. لكن إلى جانبهم يتواجد الشرفاء!

رجاء حدثوننا قليلا عن الصالحين من زماننا فهم موجودون، أخبرونا عنهم ودعونا نحس أن الدنيا ما زال فيها خير.

وليس من العدل أن نغض الطرف عنهم، بل من الواجب أن نتحدث عنهم، ونصفق لهم ونعتز بهم.
رجاء حدثوننا قليلا عن الصالحين من زماننا فهم موجودون، أخبرونا عنهم ودعونا نحس أن الدنيا ما زال فيها خير.
حدثونا بنعم الله، ولا تسودوا الدنيا أمامنا.
الوطن ليس محتاجا للبكاء، وليس محتاجا لمن يجلدوننا كل يوم ولا من يزرعون اليأس فينا.
الوطن محتاج لأبنائه البررة، وهم موجودون ويحتاجون أن نؤازرهم.
والله يحز في نفسي أن نسخر من النواب بتفضيل البقر عليهم !
لو يكون بينهم فقط عشرة صالحون، لا يجوز تسفيه عملهم ولا تحقير وجودهم.
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو يصمت. والنهي عن المنكر لا يتم بخلطه بالمعروف، بل بتمييز الخبيث من الطيب.

شاهد أيضاً

تدوينة داكوستا التي تابعها أكثر من 42 ألف مناصر للاتحاد

أكد الدولي السابق مروان داكوستا، مدافع فريق الاتحاد السعودي لكرة القدم، غيابه عن المباراة المرتقبة …

2 تعليقان

  1. لا زال الخير في دنيا المغرب، مادام هناك كاتب مثل صاحب هذا المقال.

  2. اتفق مع المقال ١٠٠/١٠٠. للاسف سياسة خلط الأوراق هذه قديمة جدا والواقع يدعمها ويقويها بكثرة الفاسدين كامثلة. لذلك أصبح ضحدها عسيرا جدا. اللهم إلا إذا بدأنا بهيئة أخرى أو مجال آخر تشابه البقر علينا فيه. وما أكثر هذه المجالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *