أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / دولية / ثلاث مسارات للشرق الأوسط الجديد

ثلاث مسارات للشرق الأوسط الجديد

انتهت داعش ميدانيا بخسارتها كل الأرض التي كانت تحت نفوذها في سوريا والعراق، وقبل أن تتعافى المنطقة من تداعيات ذلك، كانت الأمور تغلي على جبهات أخرى عديدة: انقسام في مجلس التعاون الخليجي بسبب مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين لقطر، تصعيد إيراني سعودي انعكس على حرب اليمن وبوادر حرب جديدة على لبنان. فإذا كان موضوع لبنان قد هدأ بعودة سعد الحريري إلى بيروت وتراجعه عن استقالته، فإن البؤر الأخرى بقيت مشتعلة تنذر بتحول يعيد تشكيل مستقبل المنطقة. هناك ثلاث مسارات يتخذها هذا التحول.

بينما حاول أوباما الحفاظ على المصالح الأمريكية بالابتعاد عن التدخل المباشر في المنطقة ما أمكن والمصالحة مع مختلف الفاعلين الإقليميين جاء ترامب بنهج مختلف تماما يتمحور حول صياغة المصالح الاقتصادية لأمريكا بغض النظر عن اعتبارات أخرى، مما جعل المواقف الأمريكية تبدو في نظر المراقبين السياسيين منفعلة مرتبكة، وفي بعض الحالات غير عقلانية. وقد تسبب هذا النهج في زعزعة كل المواقف القائمة في الشرق الأوسط، عند حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حد السواء.
أما روسيا فقد راهنت على قلب المعادلة في الساحة السورية ونجحت في ذلك إلى حد كبير، واستطاعت بفضل جرأتها وثبات موقفها في أن تصبح صاحبة الحل ضامنة نفوذا في سوريا لم تكن تحلم به قبل التدخل العسكري، ومقابل هذا الثبات لدى الجانب الروسي والارتباك الأمريكي، انتقلت تركيا العضو في الحلف الأطلسي من المراهنة على الحليف الأمريكي إلى التنسيق شبه الكامل مع روسيا.
كل هذه التغيرات الهامة، تتم وفق مسار أو أكثر من المسارات الثلاثة التالية:

أولا: تداعيات الصراع الإقليمي

ثلاث دول في المنطقة تتنافس على الريادة الإقليمية : إيران، تركيا والسعودية. وتدور رحى هذا التنافس في دول اليمن، سوريا، العراق، لبنان والبحرين.
كل من إيران وتركيا تملك مشروعا سياسيا وطنيا ولها رؤيتها الاستراتيجية الخاصة ، هاتان القوتان لا تصنعان الحدث ولكنهما تحاولان استثمار الحدث لصالحهما، وتتوفقان إلى حد بعيد.
وبالمقابل فإن السعودية الدولة العربية الأكبر والأقوى في الخليج تملك طموحا وأحلاما لكن ليس لديها مشروع سياسي واضح المعالم ومستقل خاص بها. بوصول الملك سلمان إلى الحكم، تحاول المملكة لعب الدور الذي تطمح إليه بالمنطقة. كونت تحالفا عسكريا لضرب الحوثيين في اليمن محاولة بذلك صناعة الحدث وتسييره واستثماره لصالحها، وبعد تعيين نجله الأمير محمد وليا للعهد، تعزز هذا الطموح الإقليمي محاولا أن يضم كل دول مجلس التعاون الخليجي تحت عباءة السعودية لمواجهة “الخصم” الإيراني، لكن هذه المحاولة لم توفق في الجمع بين الإخوة حول مشروع واحد، بل على العكس، أصبح في المجلس توجهات متباينة، وصلت ذروتها بمقاطعة قطر وحصارها اقتصاديا، وهي الأزمة التي لم تحل إلى الآن رغم محاولات الصلح المتعددة التي قامت بها أطراف خليجية وعربية. أزمة إعلان رئيس الوزراء اللبناني استقالته من الأراضي السعودية والحديث عن حرب وشيكة بلبنان والتهم الموجهة لحزب الله، كل هذه التداعيات تسير في نفس الخط. إلا أن لا مسار من هذه المسارات بلغ نتيجة ملموسة، فحرب اليمن أصبحت أقرب إلى مستنقع تورطت فيه السعودية وأصبح يجر عليها انتقادات تتمثل في ضرب المدنيين، وانتشار الأوبئة والمجاعة في المناطق المنكوبة من جراء الحرب. وعاد الحريري إلى لبنان متراجعا عن استقالته ومتمسكا بسياسة “النأي بالنفس” عن صراعات القوى الإقليمية. ولما حاولت السعودية تفكيك تحالف عبد الله
صالح مع الحوثيين وإعادة تشكيل الخريطة، قتل هذا الأخير فيما اعتبره المتتبعون “رقصة صالح الأخيرة مع الأفاعي”.
أما مصر، الدولة العربية الأكبر من حيث عدد السكان والأقوى جيشا، فتعيش أوضاعا اقتصادية صعبة بسبب الوضع السياسي المختنق داخليا. وتزداد هذه الأوضاع صعوبة بسبب تفشي حوادث الإرهاب في سيناء وعدم قدرة النظام العسكري على حسم الأمور رغم أن هذا النظام جاء أصلا يدعي حصوله على تفويض من الشعب لمحاربة الإرهاب.  وبسبب هذه الأوضاع غير المستقرة، حيدت مصر من لعب دور إقليمي عربي.

 ثانيا: نشوء تحالفات جديدة

تطورات الحرب في سوريا، وسيطرة داعش على مساحات كبيرة من الأراضي السورية جعلت هذه الأزمة دولية، واختلطت الأوراق أكثر من مرة على مدار ست سنوات، وأصبح الوضع من التعقيد لدرجة كان يصعب معها حصر الأطراف المتنازعة أو تحديد من يحارب من؟ ربما كانت هذه في البداية استراتيجية النظام السوري ليخلط الأوراق ويعتبر معارضيه إرهابيين ويستمد الشرعية لضربهم دون حرج، لكن الأمر استعصى واستنجد النظام بإيران ثم بروسيا في وقت لاحق. واستشعرت تركيا التي استقبلت اللاجئين السوريين بخطر قيام دولة كردية على حدودها فتدخلت عسكريا لمنع ذلك. وخلال السنتين الماضيتين كان كل طرف تقريبا يدعي محاربة داعش ويتهم خصومه بالتعاون معها. هكذا أصبحت روسيا وإيران وتركيا هي القوى التي تشكل المعادلة والحل في الملف السوري، فكان من الطبيعي من الناحية البراغماتية أن ترى كل دولة من هذا الثلاثي مصلحتها في التفاهم مع الأخريين ونشأ ما يشبه التحالف بينها.
بالمقابل، تروج إسرائيل لتقاربها مع دول عربية على رأسها السعودية والإمارات بدعوى وجود مصلحة العداء المشترك لإيران. فإذا كانت الدولتان العربيتان لا تؤكدان هذا التوجه علنيا وتكتفيان بتقديم إيران على إسرائيل في العداء للعرب، فإن شخصيات معروفة قامت بزيارة إسرائيل ونشرت ذلك علنا ودافعت عن “براءة” الكيان الصهيوني من كل أذى اتجاه العرب، بل منهم من تجرأ وتبرأ من القضية الفلسطينية، كل هذه التصرفات تمت دون إنكار من الجانب الرسمي السعودي والإماراتي. وتستمر إسرائيل في تبني فكرة تحالف إسرائيلي عربي ضد إيران، العدو المشترك.
في غضون ذلك، فإن أزمة قطر مع جيرانها تنذر بتفكك مجلس التعاون الخليجي، إن لم يتم تدارك الأمر، وقد ضيع الخليجيون فرصة أتيحت من خلال القمة الأخيرة للمجلس في الكويت.

ثالثا: تفاهمات دولية على حساب قضايا الشعوب

في ظل الأوضاع المتأزمة بالمنطقة، والتطورات الأخيرة المنذرة بالتصعيد بين السعودية وإيران، لا يستبعد المتشائمون اندلاع حرب كبيرة بالشرق الأوسط. غير أن الأقل تشاؤما يرون أن المنطقة حيوية بالنسبة للعالم ، توجد بها معظم الثروة النفطية العالمية و بها ثلاث ممرات بحرية استراتيجية من ضمن الثمانية العالمية. النفط الخليجي تدفق بمعدل 18,5 مليون برميل يوميا خلال 2016، والمنطقة تؤمن 50 بالمائة من الاحتياطي العالمي، منها 40 في الخليج و 10 في إيران. وبخصوص الغاز تؤمن قطر وحدها ثلث ما يحتاجه العالم.
ولهذا يستبعد المراقبون حربا شاملة لما في ذلك من مخاطر على العالم تمس الغذاء والطاقة و يذهبون إلى قبول مختلف الأطراف المؤثرة بتسويات سياسية تتم حسب قوة الردع التي يملكها كل طرف. لكنهم في نفس الوقت لا يخفون أن هذه التسويات سوف تتم على حساب طموحات الشعوب والقضايا التي تتبناها.
أولها ضرب القضية الفلسطينية، لأن أي تقارب بين الدول العربية وإسرائيل يعتبر بداية لتصفية قضية العرب الأولى، فبالأحرى تحالف مع الدولة العبرية.
ويلي ذلك إجهاض حلم الإصلاح وتجاوز الربيع العربي، فما يقع الآن باليمن، وسوريا وحتى مصر، جاء بعد أن رغبت الشعوب في إصلاحات دستورية تهيئ الأجواء لانتقال ديمقراطي سلمي وحضاري، وكل الكوارث التي تحدث وما نتج عنها من تهديم البلدان، وتهجير الشعوب، تفشي الأمراض والأمية، تجعل هذه الشعوب تتخلى عن طموحاتها المشروعة
وتتمسك بالحد الأدنى متمثلا في عودة الاستقرار والأمن على حساب الحرية والديمقراطية

شاهد أيضاً

“العلاقة مع المغرب تتحدد من خلال كثافة المصالح والتحديات المشتركة واتساع نطاقها”

تجعل الحكومة الإسبانية علاقاتها مع المغرب أولوية في منطقة المغرب العربي، مؤكدة أن الروابط بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *