الرئيسية / الرأي / حاضية البحر إلى يرحل

حاضية البحر إلى يرحل

 

 

 

محمد قيصر (*)

كنت أود أن أنشر هذا المقال في اليوم العالمي لرجال البحر الذي يوافق 25 يونيو من كل عام. لكن القلم والحاسوب لم يسعفا بدورهما هذه الفئة من الناس بدليل أنه في يوم الإحتفال بهم، فقدت مقالي بعد تسجيلي لآخر التعديلات التي أضفتها على النص في الحاسوب. فبعد فرحة كبيرة تعادل فرحة البحار أثناء قدوم زميله ليخلفه في العمل حتى يتسنى له الإستفادة من عطلة راحة، نقرت آخر نقرة لحفظ النسخة ومزقت أوراق المسودة الأولى تمزيقا يشبه تمزق قلب البحار نفسه أثناء المناداة عليه للإبحار من جديد.

أصبت بالإحباط لأن النسخة الأخيرة حفظت بلغة غير مفهومة وأحسست بالخذلان إزاء زملائي البحارة وهم يكابدون عناء قرارات مجحفة من الإدارة الوصية على القطاع والتي لا تلبث تغرقهم في المصائب والويلات وكأنها تلعب دور المعارضة أكثر من مهمتها الأصلية المتمثلة في السهر على ضمان حقوقهم ومكتسباتهم.

بعد أيام من محاولة تحويل النسخة الغير المفهومة ومرور عيد رجال البحر بطعم المرارة لأنهم منعوا من التناوب في العمل بسبب جائحة كورونا، فوجئت أن وجدت المسودة الأولى ممزقة في علبة في مطبخ والدتي. فاللأم لا تريد أن تضيع مخطوطات ابنها بحركة انفعالية أثناء فرحة أوغضبة وهي تعرف بقربها الفطري من الإبن أن طبيعة عمله علمته التهور وعدم الإتزان في التصرف لأنه اعتاد على تقلبات البحر ونزوات الغياب عن الحياة العادية.

أعدت جمع الصفحات بمساعدة زملائي في العمل، فهذه الطريقة في الترقيع نتقنها باحترافية كبيرة لأننا تعلمناها أثناء الإبحارمحاولة منا لتدارك الأعطاب التقنية التي تصيب السفينة، مساهمين بذلك في إعفاء مجهزها من تكلفة قطع الغيار. كان الضباط البحارة شرفاء في أداء مهمته فيما كان دوره يقتصر على ذر الرماد في أعينهم حتى يبقوا في خدمته، لقد تم تدجين عقولنا لدرجة القبول بعروض الشركات مقابل حفنة من المال كنا نعتقد أنها الأفضل بالمقارنة مع القطاعات الأخرى التي تطورت وتطور رجالها وطالبوا بأجور عالية في حين بقينا متوهمين العكس وأن الجزاء من جنس العمل الذي نضحي من أجله بحياتنا الشخصية والعائلية وصحتنا ووقتنا وكل الأشياء الثمينة التي نملكها. فعلا فمجال الملاحة التجارية يحتاج إلى إعادة النظر فيه ودراسته بموضوعية.

الحياة البحرية هي نوع من الفانطازم أو الخيال الذي يكونه الإنسان عن عالم أكثر متعة وإثارة مع فكرة صعوبة الحصول عليه في نفس الوقت. فيتمنى أن يكون بحارا على شاكلة أبطال الأفلام الهوليودية التي يسوق لها المخرجون الأمريكيون عن عالم البحر ببراعة ويحدث أيضا أن يرى الشباب بأم أعينهم مرور أحد البحارة في مدينة ساحلية بأحدث أنواع الجينز والماركات العالمية خصوصا في السنوات التي سبقت العولمة والتي كان يعيشها البحار عن جدارة، فتزداد الرغبة في ولوج هذا العالم. أما النساء فحدث ولا حرج، فالبحار هو فارس أحلام لا يمكن التنازل عنه ورجل كامل الأوصاف بما تحمله الكلمة من معنى من سخاء وأناقة وخفة ظل. ولكن يحدث كما يقال في علم النفس خصوصا في نظريتي فرويد ولاكان، أن يصطدم الخيال بالواقع، فالشاب الذي حلم بالإبحار في يوم ما بل أصبح هاجسه الوحيد، يقع في فخ أماني النفس فلا يلبث أن يكتشف أن الملاحة ليست بالسهولة التي يتصورها بل واقع مرير منذ اللحظة الأولى التي تطأ رجله الباخرة. حياة جديدة يبدأها من الصفر كما يبدأ الطفل الصغير عمرا جديدا.

ما يقع لنا أمام صدمة ولوج الحياة البحرية، هو ما يقع للجنين عند مفارقة بطن أمه ليرى نور الدنيا. غير أن هذا الأخير يجد أمه لترعاه وتهتم به وتساير تقدمه في السن وإقباله على الحياة. وفي علم النفس، فإن الطفل يعيش بين الخروج إلى الواقع والعودة بصفة مستمرة إلى أمه كمصدر للأمان والثقة لتتشكل في الأخير هويته التي يقابل بها العالم الخارجي. وهذه المقاربة ضرورية حتى ينجح في صقل شخصيته وإلا حدث ما يسمى بالنكوص حسب فرويد او التأخر في تطور العلاقات الاجتماعية أو حتى الوقوع في بعض الأمراض النفسية كالتوحد والانطواء النفسي.

بنفس الطريقة، يبدأ الكائن البحري، فهو يترعرع ويتكون في بطن معاهد التكوين  وإذا حدث أن أبحر إبان سنوات الدراسة في باخرة التكوين التابعة للمعهد، فهو يعيش بين الأم التي هي المدرسة والعلاقات التي ينسجها على متن الباخرة والتي غالبا ما يؤطرها أساتذة المعهد كضباط محترفين وأولياء أمر للطلبة لكن ماذا يحدث لو لم يمر المتخرج من المعهد من هذه المرحلة وانتقل مباشرة الى الإبحار مع طاقم جديد غير أساتذة المعهد؟

في غالب الأحيان، فإن خريجي المعهد العالي للدراسات البحرية رغم إغراقهم بالمواد العلمية والتقنية، لا يحصلون على تربية أو تنشئة اجتماعية كافية لمعرفة المستقبل المهني الذي ينتظرهم ويظلون تحت رحمة قدمائهم الذين بدورهم تعرضوا لنفس أساليب التعلم. إن هذا ما يطلق عليه بيير بورديو ، عالم الإجتماع الفرنسي، مفهوم إعادة الإنتاج الإجتماعي والذي يبقى يدور في حلقة مفرغة دون الحصول على تفاعل اجتماعي ايجابي.

وأمام غياب برنامج رسمي ومتفق عليه للبناء النفسي والاجتماعي للبحار، يلجأ هذا الأخير الى التمركز حول الذات أو النرجسية بتعبير فرويد مما يؤزم عملية التفاعل الاجتماعي. يرجع اذن الى مستوى أكثر أمنا وحماية اجتماعية ونفسية وهو بلا شك الرغبة في العودة الى الحياة البرية أو الدخول في علاقات اجتماعية بديلة تتسم بالانطواء على الذات والمصلحة الشخصية العملية التي يطلق عليه جورج هيربرت مييد التفاعل الاجتماعي من أجل الاندماج المهني حيث يتكفل الفرد بتهييء نفسه بنفسه نتيجة هشاشة آليات مشتركة تؤطر علاقاته. وهنا تبدأ الصراعات والمنافسات الفردية التي لا تسمن ولا تغني في تشكيل هوية بحرية مثينة وإحساس بالانتماء. ويصبح قانون البحرأكثر ضراوة من قانون الغاب في الفتك بأصحابه وإصابتهم بالاختلالات الاجتماعية والاضطرابات النفسية التي تؤدي بدورها إلى تقهقر مجال الملاحة التجارية برمته.

يصعب البحث العلمي في عالم البحر لأنه فضاء متقلب باستمرار تقلب أمواج البحر خارج وحدتي الزمان والمكان الذي نقيس بهما نبض الحياة العادية. مشاعر تتغير كلما ابتعدنا عن اليابسة في اتجاه عرض البحر، وكلما طال المسير. حضور جسدي في الباخرة، وعقل وقلب مع العائلة والأهل والأحباب. يقول فريق بنجامين الذي كان من الأوائل الذين قاموا بدراسات اجتماعية حول رجال البحر سنة 1967: ” إن البحارة يشكلون عينة من الناس التي تستحق أن تدرس بطرق خاصة”. كما أنهم توصلوا أنه من الصعب القيام بمثل هذه الدراسات اذا لم يكن الباحث نفسه من رجال البحر.

أحاسيس يجف القلم عند كتابتها من كثرة قسوة الحياة والألم الذي يحز في نفس البحار على فقدان أسطول بحري بالكامل رغم جهوده وتضحياته من أجل بنائه. ماضي تليد بنته سواعد ضباطنا وبحارتنا وخانه أرباب العمل الذين عرفوا كيف يستقوون بعددنا كما يستقوي رب الأسرة بأبنائه لكي يكون عشيرة تكون في خدمة القبيلة وحمايتها من الأخطار المحدقة لتكون النتيجة هي ضمان عيش الكل وسلامته على قدم المساواة. أما في عالم البحر ، فإن الأب الذي يتجسد في مالك السفينة كان بمثابة الأب غير الشرعي الذي تبنى أبناءه لمصلحة شخصية لا لرابطة دموية.

عندما تحملت سيدتان مسؤوليتي القطاع والتكوين البحريين، اعتقدنا أن الأمر سيكون أفضل من السابق وسيتم حله على طريقة الأم في إغداق أبنائها بالحنان والعطف. لكن العكس هو الذي حصل، فالسيدة الأولى أقدمت على رمي أبنائها في الشارع بعد تطليق أبيهم غير الشرعي المتمثل في مالك السفينة، لتتركهم يصارعون الحياة لوحدهم. كما اشترطت المال لإرضاعهم حيث حرمتهم من الحصول على الشواهد البحرية الضرورية للحصول على قوتهم إلا بعد أداء ثمنها رغم مجانيتها عبر تاريخ الملاحة التجارية المغربية.

أما السيدة الثانية ، فعندما كبر ابناؤها ويفعوا ووجدوا عملا بعد سنوات عجاف، قامت بسجنهم عن سبق إصرار وترصد مع الحكم عليهم بالأشغال الشاقة. ففي جائحة كورونا، وجدت الأم الفرصة مناسبة للتنكيل بأبنائها واثبات أنوثتها فأصدرت قرارا بمنعهم من التناوب وحبسهم أكثر من ثلاثة أشهر نافذة.

في برنامج في الجزيرة الوثائقية بعنوان ” اختفاء الملوك، حين تترجل الملكة “، يتحدث الربورتاج عن مملكة الحيوانات حيث يسود قانون الغاب و يحكم الأسد في الظاهرولكن في الحقيقة فأن اللبوءة هي التي تستأسد مكانه. نفس الشيء في عالم البحر، فأن ملوكه أو رواده من البحارة ينتحرون يوما بعد الآخر إلى حد الإنقراض بسبب قرارات عشوائية تتخذها الإدارة الوصية بمباركة بعض رجال البحر الذين كنا نعدهم من بني جلدتنا. يحق لنا أن نتكلم عن قانون البحر على شاكلة قانون الغاب، كمفهوم جديد و كتنظيم اجتماعي خاص برجال البحر والذي لا يجب خلطه مع قانون البحار أو القانون البحري.

التناقضات شارخة في قانون البحر،فالشرفاء الذين كانوا يعملون بجد ويواجهون أهوال البحر يعاملون بنذالة من قبل من لم يتحملوا موجة واحدة في عرض البحر وتم وصفهم بالسواعد المكسورة. ليعود البعض منهم بعد هروبه من الإبحار وولوجه العمل في المواقع القارة ، حاملا هم الانتقام من زملائه القدامى الذين تحملوا جبروت البحر بدلا منه موقعا مباشرة على قرارات ضدهم أو عن طريق إبداء النصح لمدراء آخرين من مشارب أخرى.

وحدها الحاجة الحمداوية بقيت وفية لكلمتها الأولى التي قالتها عن البحر. فالسيدة التي زامنت حكم ثلاثة ملوك وعاصرت كل الحكومات المغربية بعد الإستقلال بل قاومت الإستعمار وسجنت بسبب غنائها عن البلاد، بقيت تذود وتدافع عن البحر بترديدها: ” حاضية البحر إلى يرحل ” فلولا استماتة الفنانة الشعبية ويقظتها على الأقل في كل سهرة سبت وفي كل محفل غنائي، لهرب البحر هو الآخر عن المغرب إلى جانب الأسطول البحري ورجال البحر.ولو أنها اعتزلت وسلمت المشعل لإبنة سعيد عويطة، فلأنها شعرت بضرورة تسريع القيام بإصلاحات هيكلية في القطاع سرعة عويطة في تحطيم الأرقام القياسية العالمية.

(*) كاتب عام النقابة الوطنية لضباط الملاحة التجارية

شاهد أيضاً

قانون العربية….عود على بدء

فؤاد بوعلي مرة أخرى نعود إلى نقطة البداية. فقد تدخلت الحكومة لترفض (تحت بند التأجيل) …

تعليق واحد

  1. شكرا كابتن قيصر، لقد قمت بتلخيص دقيق حول مسار رجل البحر المغربي، من المهد الى اللحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *