الرئيسية / اقتصاد / خمس معيقات تحول دون نهوض قطاع النقل البحري بالمغرب

خمس معيقات تحول دون نهوض قطاع النقل البحري بالمغرب

يستمر قطاع النقل البحري الوطني في الغرق. وباستثناء بعض المحاولات المعزولة وغير المدروسة التي تمت من أجل النهوض به مثل “الدراسة الإستراتيجية” التي أجهضت، وطلب عروض من أجل استغلال خطوط لنقل المسافرين لم يتم إتمامها إلى الآخر، فإن كل المؤشرات تدل على رغبة ما في تصفية القطاع نهائيا. هذه الجريمة تستفيد منها الشركات الأجنبية، التي رأت عندنا ما لم يره المسؤولون لدينا عن القطاع.

لا شك أن الإكراهات الخارجية كان لها دور في إضعاف شركاتنا الوطنية، لكن الذي منعنا من اغتنام الفرص المتاحة وتلك التي تظهر مع الزمن هو نقط ضعفنا الداخلية. فيما يلي نعرض لخمس معيقات داخلية تحول دون النهوض بالقطاع.

  • غياب الرؤية السياسية

لطالما تحدثنا عن هذا الأمر، وكتبنا حوله عدة مقالات. المشكل الرئيس في القطاع هو غياب الرؤية السياسية، ما زلنا ننظر إلى النقل البحري مثل خدمة من الخدمات تستفيد منها قطاعات أخرى، مثل التجارة الخارجية والصناعة، وليس كقطاع إنتاجي قائم بذاته. ولم لا يكون أكثر من ذلك ويصبح قطبا اقتصاديا كبيرا تدور في فلكه عدة أنشطة ثانوية ومتنوعة.

هذه الرؤية الضيقة لقطاع واسع هي التي حكمت سياسات الحكومات المتعاقبة المتعلقة من قبيل نوعية المدراء المعينين، والسياسة المتبعة في التكوين و إحياء الأسطول المغربي. وهذه الرؤية الضيقة هي التي فرقت القطاع بين الوزارات المختلفة وجعلت القرارات المتعلقة بالقطاع تتنوع وتختلف بصدورها من جهات إدارية مختلفة ومنفصلة تنظيميا عن بعضها، بدل أن تصدر من جهة واحدة وفق رؤية واضحة وبرامج محددة.

  • الجهل بأحوال القطاع

قد يبدوا هذا غريبا بعض الشيء، ولكن الواقع يقول أن بعض المسؤولين يجهلون الكثير عن أحوال القطاع داخليا في المغرب وخارجيا كذلك. إذا تفحصت برامج الأحزاب السياسية، لن تجد ولا حتى مجرد اقتراحات مهمة تتعلق بالقطاع ، وحتى إن تم ذكر الأمر، فلا يتجاوز ذلك بعض التعابير المغرقة في العموميات، الخالية من أية تدابير ملموسة. وبالتالي فإن خلو البرامج الحكومية لعدة سنوات خلت من سياسات للنهوض بالقطاع كان نتيجة طبيعية لجهل السياسيين بأحواله. السياسيون لا يعلمون كم نخسر بإدبارنا عن البحر ولا الكسب الذي نضيعه بتفريطنا في القطاع البحري وإهدارنا للفرصة.

ورغم أن الأزمة ضربت سنة 2012 مخلفة وراءها خسائر جسيمة، لعل اكبرها انهيار شركتين وطنيتين كبيرتين وتشرد جزء من الذين كانوا يشتغلون لديهما، رغم أن هذه الأزمة هي أقوى من قضية مثل قضية النجاة، فإن النخبة الساسية والإعلاميين لم يعطوها حقها من الاهتمام.

 

  • الالتباس حول دور الميناء

يعاني النقل البحري منذ إنشاء ميناء طنجة المتوسط وتبني الاستراتيجية الوطنية المينائية في أفق 2030 من اختلاط في المفاهيم حيث يكتفي المسؤولون عن القطاع بإطلاق كلمة “بحري” على كل ما هو مينائي، وبالتالي يتم الحديث عن الإنجازات قي قطاع الموانئ على أساس أنها منسوبة “للقطاع البحري”، ويكتفي الجميع بهذا التصنيف الذي يقع على حساب النقل البحري. وهذا ما عبرنا عنه بجملة “الميناء الذي يخفي البحر”.

وقد سبق أن تمت الإشارة إلى هذا اللبس أثناء ندوة خصصت لتقديم ما سمي ب “الدراسة الإستراتيجية للقطاع البحري”، فانتفض الوزير المكلف آنذاك واستنكر هذه الملاحظة معتبرا أن “الموانئ والنقل ينتميان لنفس الأسرة” دون أن يبرر كيف أنه في هذه الأسرة، هناك فرد يحظى بكل الرعاية والدلع بينما يعاني أخوه من الإهمال.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن انخراط المغرب في استراتيجية مينائية تنافسية أمر هام يثمنه الكل، ولكن لا يجب ونحن نعد القواعد الثابتة للمواجهة المينائية العالمية  ألا تكون لدينا القوات والأسطول المهمين في هذا الصراع.

هناك التباس آخر يحصل، ربما أقل أهمية من الأول وهو اعتبار أن النقل البحري في المغرب هو أولا وآخرا نقل المسافرين بواسطة العبارات بين شمال المغرب وجنوب أوربا. الدليل هو أن الحكومة السابقة لما أطلقت مبادرة لإحياء قطاع النقل البحري لم تتطرق سوى لهذا الجزء. وعندما نتساءل عن سبب هذا الحصر يقال لنا “إنها مسألة سياسية”، وكأن باقي المهام التي تضطلع بها الحكومة تخرج من نطاق السياسة. وحتى نرفع هذا اللبس، لا بأس أن نبين هنا ماذا يقصدون بكلمة “مسألة سياسية” هذه. المقصود ب”سياسية” كل مسألة يمكن أن تثير غضب المواطنين أو الجهات العليا أو هما معا. وفي موضوعنا هذا هناك حساسية وتخوف من عدم توفر خدمات لنقل المسافرين بحرا بين المغرب وجيرانه الأوربيين، لأن ذلك يثير استياء وغضب إخواننا المغاربة المقيمين في أوربا الذين يستعملون العبارات للتنقل بسياراتهم بين المغرب والبلدان التي يقيمون بها. وهؤلاء لا يترددون في التعبير عن استيائهم وغضبهم عبر كل القنوات المتاحة لديهم ويتم كشف خلل في القطاع برمته. ولهذا السبب يجتهد المسؤولون الحكوميون ل”سد هذه الثغرة” التي تسبب الصداع السياسي كما يفهمونه دون أن يجتهدوا في التفكير في سياسات حقيقية للقطاع.

4- اختزال نقل البضائع في شعبة الحاويات  

بالرغم مما تطرقنا إليه أعلاه من التباس المفاهيم المتعلقة بالنقل البحري، خصوصا في الجانب استراتيجي، يبقى هامش لتداول نقل البضائع يفرضه الواقع على المسؤولين الحكوميين.  لكن هنا أيضا يحدث أمر غريب آخر وهو اختزال كل النقل البحري للبضائع في شعبة نقل الحاويات عبر القارات. وهنا يقولون لنا بكامل الثقة: “المغرب لا يستطيع المنافسة في هذه الشعبة التي تتبارى فيها شركات عالمية عملاقة”.هل هذا جهل، أم خداع؟ وعلى كل حال، لا أحد ادعى العكس ودافع عن دخول المغرب في منافسة لا يملك أدواتها. إنما لماذا يختزلون النقل البحري كله في هذه النقطة فقط؟ لماذا يتجاهلون الشعب المتنوعة والنماذج الاقتصادية الأخرى؟ الشركات المغربية كانت تشتغل على خصوصيات السوق الجهوي وتوفر حاجيات هذه السوق بسفن صغيرة الحمولة تنسجم مع متطلبات الفاعلين الاقتصاديين. والفرص في هذه الخطوط ما تزال قائمة، وربما تظهر فرص أخرى.

  • تراجع المناصرين الطبيعيين للقطاع

أمام تخاذل الطبقة السياسية والمسؤولين الحكوميين عن قطاع النقل البحري ، الذين من المفترض أن يدافعوا عن القطاع هم أهله الذين ينتسبون إليه، المهنيون الغيورون الذين تمرسوا في مختلف المهن المتعلقة بالقطاع يعرفون قيمته الحقيقية بالنسبة للاقتصاد الوطني. ولكن ضمن هؤلاء، قسم يائس ممن فقدوا الأمل ولم تعد لديهم أية طاقة للنضال وبذل الجهد من أجل النهوض بالقطاع. والقسم الآخر منقسم فيما بينه. والمحصلة أن “المناصرين” المفترضين يتصرفون بشكل انفرادي ومجهوداتهم تتبخر مع مرور الوقت

المحصلة أن النقل البحري خضع لهيمنة الشركات الأجنبية ، التي لم تسيطر فقط على الشعب التي تملك فيها الأفضلية، بل وضعت يدها على الشعب والنشاطات والخطوط المحلية التي كنا نعتبرها محميات لنا

عن حمو جديوي

شاهد أيضاً

بوان إس تكشف النقاب عن خطتها الاستراتيجية الجديدة لتسريع تطوير العلامة وتكسب تحدي تحطيم الرقم القياسي لأسرع تغيير عجلة في العالم

أعلن كريم ضيفليام، المدير العام لـ بوان إس المغرب، عن الخطة الاستراتيجية الجديدة التي ستعتمدها …

2 تعليقان

  1. العربي غزاوي

    اكيد ان كاتب المقال يتوفر على رؤية عميقة حول قطاع النقل البحري بالمغرب. كضابط بالملاحة التجارية .فقد استطاع تشكيل رؤية بصفة مبكرةعن ألاوضاع الغير الايجابة على الأقل من زاوية الوعي الجماعي
    الدي كان سائدا لدى ضباط الملاحة العاملين والبحارة بشكل عام . وكان ذلك يعكس سياسات الشركات المستمرة في القطاع. سياسات استغلالية لم تتطور نفسها. لم تضع سياسات استباقية لتجديد الاسطول. لم تستنكر في العنصر البشري.( التكوين المستمر….) سياسات اقصائية على اساس فئوي( البحار من جهة والعمال القارون في من جهة) استثمار عوائد البواخر في قطاعات أخرى. عدم الثقة بين الشركاء وكل الأسباب المهملة التي وردت في المقال.
    وقد عايش عن قرب لمدة تزيد عن 25 سنة تقلبات القطاع والتراكمات السلبية التي جعلت جل الكوادر يغادرون القطاع الى مجالات أخرى.
    وعليه فكل متمنياتي له بالنجاح في هذا المشروع الإعلامي و الذي اتمنى له ان يشكل لبنة لولادة هياكل عملية سياسية كانت أو تنظيمية في إطار القانون من أجل تغيير هذا الواقع المقرف لشؤون البحر بالمغرب.
    العربي غزاوي _ خبير في المجال البحري .محلف في مكانيك البواخر

  2. Aussi quelques marins eux même ont contribué à cette situation

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *