أخبار عاجلة
الرئيسية / الرأي / من المسؤول عن تدمير اللغة العربية وإقصائها في المغرب ؟

من المسؤول عن تدمير اللغة العربية وإقصائها في المغرب ؟

قبل انتشار موجة الدفاع عن اللغة العربية، وما خلفه إدراج الدارجة المغربية في المقررات الدراسية، حيث احتدم السجال داخل المجال التربوي والأسري بشأن تضمن مصطلحات من “الدارجة” في المقرارات الدراسية في السلك الابتدائي، وفتح باب التهكم والنكتة على مصراعيه داخل الفضاء الأزرق، فقد سبق لجريدة “المستقبل”، في نسختها الورقية، أن اختارت في أول عدد لها بتاريخ 10 نونبر 2017، التطرق إلى موضوع اللغة العربية، واستفاضت في البحث والتحليل عن أسباب تهميشها ومن المسؤول عن تدميرها وإقصائها، وأجرت حوارات مع مختصين في هذا الشأن.
فيما يلي نعيد نشر المقال:

رغم أنها اللغة الرسمية للبلاد، بموجب الدستور، ورغم أنها أثبتت قوتها الذاتية في زمن النهضة العربية، حين
استوعبت العلوم والمعارف، سواء في بنيتها المعجمية أو التركيبية أو الدلالية، أو في ارتباطها الذاتي بالوجدان العربي، فقد أصبحت اللغة العربية، اليوم، تئن تحت وطأة التهميش والإقصاء، وتعتبر لغة النخبة التقليدية المرتكزة على الإسلام. وفي المقابل، أضحت اللغة الفعلية المُهيمنة على الإدارة والمؤسسات العمومية هي «الفرنسية»، التي تعتبر لُغة النُّخبة المَحْظيّة والنافذة.
فمن المسؤول عن تهميش لغة الضاد؟ ولماذا يتم رفضها داخل سوق الشغل؟ ولماذا يتم الإقبال عليها من طرف أجانب، في الوقت الذي يتم فيه إهمالها من طرف المغاربة أنفسهم؟… كل هذه الأسئلة وأخرى يجيب عنها الأستاذان فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، ورشيد بلحبيب، أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة محمد الأول بوجدة، في حوارين مطولين لجريدة «المستقبل».

رغم أن منظمة اليونيسكو تحتفل سنويا في الـ 18 من شهر دجنبر مع الأمم المتحدة، باليوم العالمي للغة العربية، فقد أصبحت، اليوم، تحتضر في ظل الضعف والاحتقار اللذين أضحت تعيشهما بسبب توجيه الاهتمام إلى لغات أخرى، والتي يأتي على رأسها اللغتين الفرنسية والإنجليزية.


إقرأ أيضا: 

بوعلي: العربية ليست ضعيفة وقوتها الذاتية أثبتتها في زمن النهضة العربية

بلحبيب: يعرف العالم برمته إقبالا متزايدا على تعلم اللغة العربية


أسباب تهميش اللغة العربية

أرجأ فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، تهميش الأخيرة إلى الارتباط بما تحيل عليه من قيم، ذلك أنها لغة الدين الإسلامي، ولغة المشترك الوطني، وإحدى لبنات الدولة المغربية التي أسست وجودها على توافقات اجتماعية، وسياسية، وعقدية، تعد الضاد درة عقدها، وأشار إلى أن الهجوم عليها ومحاولات تهميشها، ليست وليدة اليوم، وإنما هي مرتبطة دوما بالهجوم على منظومة القيم الإسلامية والوجود المشترك المغربي.
وأوضح بوعلي، في حوار لـ «جريدة المستقبل»، أن بناء الدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال قام على عناصر الهوية الأربعة التي أعلنتها «اللجنة الملكية لإصلاح التعليم»، -التي كونها الملك الراحل محمد الخامس وعقدت أول اجتماع لها يوم 28 شتنبر 1957، ويتعلق الأمر بالتعميم، والتوحيد، والتعريب، ومغربة الأطر. وأشار إلى أن المبدأ الأخير إذا كان قد عرف التطبيق الكامل، فإن مبدأي التعميم والتوحيد قد شهدا تطبيقا جزئيا، فيما ووجه التعريب بشدة من قبل مجموعة من الأطراف التي توالت على إدارة الشأن العام بشكل أفرغ المشاريع التي أشرفت عليها بعض الحكومات من مضمونها، خاصة بعد السيطرة على العديد من القطاعات الحساسة داخل الدولة وصبغها بصبغة فرنسية مطلقة لا يمكن الاقتراب منها (قطاع الهندسة مثلا). وأصبح الجميع مقتنعا بأن السبب الرئيس في أزمة التعليم هو سياسة التعريب المرتجلة التي توقفت في منتصف الطريق، فعرقلت بذلك التنمية المعرفية للمتلقي المغربي. «لكن الإشكال الحقيقي كان وما يزال إشكالا سياسيا يتعلق بإرادة الحكام وقدرتهم على جعل العربية بحق لغة العلم والتداول الرسمي»، يقول بوعلي.
وأكد ذات المتحدث أن الهجوم على العربية هو هجوم على منظومة القيم المغربية بأبعادها المختلفة واجترار للمنطق الاستعماري في التعامل مع لغة الضاد، وأفاد أن هدف دعاة اعتماد اللغة الفرنسية في التعليم المغربي هو الحرص الشديد على ربط التنمية المحلية بالنموذج الكولونيالي المؤسس على استيراد التمدن، ومن ثمة خلق هرمية اجتماعية مبنية على الاستفادة من العلاقة بالمركز الاستعماري. «وهذه الاستفادة مادية واجتماعية، فالعلاقة مع النموذج الفرنسي ليست انتماء إيديولوجيا فقط، وإنما تجنى من ورائه منافع مادية تتجلى في المكاسب التي تربحها النخبة الفرنكفونية من فرض الثقافة الفرنسية في الاقتصاد والتعليم والإعلام، يوضح بوعلي.

تهميش اللغة مسؤولية الدولة

وفي سؤال حول المسؤول الأول عن حماية اللغة الوطنية والدستورية في أي بلد، أكد رشيد بلحبيب، أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة محمد الأول - وجدة، أن مسؤولية رعاية اللغة العربية من المسؤوليات المباشرة للدولة، وأشار إلى أن الدستور المغربي نص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، لكن الأخيرة، إلى حد الساعة، الدولة ليست جادة في تنزيل الدستور وتفعيل استعمال العربية في جميع الميادين»، بل نجد نكوصا ومخالفات يومية للدستور، بفرض الفرنسية في المدارس الابتدائية، وفرض الباكالوريا الدولية على أبناء المغاربة، وتبخيس التعليم العمومي حقه، وتشجيع مدارس البعثات، مع ما يتضمنه ذلك من احتقار للذات، واغتصاب للطفولة، ومخالفة لقانون الفطرة…، يقول بلحبيب، قبل أن يضيف: «كما تجدر الإشارة إلى أن الاهتمام باللغة وترقيتها ليسا من أولويات الدولة، ولذلك لا عجلة في عدم الإعلان عن أكاديمية محمد السادس للغة العربية، ولا عجلة في عدم تفعيل المجلس الأعلى للغات، لأن ذلك ليس له الأولوية إذا ما قيس بالبطالة، والتوظيف، والتنمية…وفي هذا خطر بيّن على أمن المغاربة اللغوي، قد يتطور مع الإصرار على التجاهل إلى ما لا تحمد عقباه».

إقبال أجنبي على تعلم العربية

بدأت اللغة العربية تشهد، منذ مطلع الألفية الجديدة، إقبالاً لافتاً للنظر من لدن غير العرب وغير الناطقين بها، لا سيما في العديد من الدول الغربية والشرقية، كروسيا، وتركيا، والصين، والولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوربية، كما أصبح العديد من الطلبة الكوريين، وفي إطار التبادل الثقافي الذي تقوم به جامعات كورية مع نظيراتها المغربية، ينكبون على تعلم اللغة العربية. وبهذا الخصوص، أشار بوعلي إلى أن العوامل الكامنة وراء هذا الإقبال تختلف من دولة إلى أخرى، ومن فرد إلى آخر، بين ما هو علمي بحت، وما هو سياسي، وديني، واقتصادي. وأوضح أن اللغة العربية تحتل المرتبة الثامنة في الترتيب العام للغات الأكثر إقبالا عليها في المؤسسات العليا الأمريكية، حسب معطيات جمعية اللغة الحديثة في الولايات المتحدة الأمريكية. وأضاف ذات المتحدث أن هذا الإقبال على تعلم اللغة العربية تعدى البعد الديني الدعوي إلى البعد التجاري الاقتصادي، خصوصا بالنسبة للتجربة الصينية، حيث تعلم لغة الضاد هو تفاعل مع قانون السوق والتجارة، سعياً إلى الاستحواذ على الأسواق العربية الواعدة، عن طريق آلية التواصل اللغوي المباشر. «وهذا ما يسري أيضا أكثر على وضعية اللغة العربية في الدول الأوروبية، التي تستقر فيها أعداد غفيرة من المسلمين، كفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، وبلجيكا، وإسبانيا، وإيطاليا، وغيرها. حيث تنتعش اللغة العربية بشكل ملحوظ، تعليماً وتعلماً، سواء لدى المواطنين من أصول عربية وإسلامية، أم لدى المواطنين الأوروبيين والغربيين.»، يقول بوعلي.

ضعف اللغة العربية

في نفس السياق، أوضح بلحبيب أن ضعف اللغة العربية، اليوم، يمكن إرجاعه إلى عدد من الأسباب، منها أن اللغة تحيا بحياة أهلها، وتتقدم بتقدمهم، وتتراجع بتراجعهم، وكشف أن البيئة التي يكون فيها التخلفُ شموليا، والتبعية للمستعمر محكمة، لا يمكن أن تزدهر فيها اللغة الدستورية، وأضاف أن هناك إرادات مختلفة تسعى إلى تحقير العربية وربطها بالتخلف، «وأصبح عباقرة العصر من صغار الباحثين يربطونها اليوم بالإرهاب، والوهابية… وتلك مسخرة وجهل، وقلة أدب وذوق…مع ما في ذلك من احتقار للدستور وللوطن»، يقول بلحبيب، قبل أن يضيف أن اللغة العربية تتقوى إذا قوي مستعملوها، وعمموا استعمالها في كل مرافق الدولة، وترجموا إليها وبها، وصاغوا بها قراراتهم وجعلوها لسان التعليم والبحث العلمي، ومكنوا لها في المحافل الدولية، واعتزوا بها… «أما أن يتحدث المسؤول المغربي أمام نظرائه الأجانب في وطنه بلغتهم، أو يفرض على من يريد التحدث بالعربية أن يتحدث بالفرنسية كما حدث مع سفير روسيا في المغرب، فذلك خزي وعار واحتقار للذات، لن يزيد صاحبه إلا حقارة في أعين الأغيار…، يقول أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة محمد الأول -وجدة.

رفض العربية في سوق العمل

وبخصوص اعتماد اللغة العربية في مناهج التدريس ورفضها في سوق الشغل، مما يضع الطالب الباحث عن عمل أمام إشكالية حقيقية، أشار بوعلي إلى أنه يكفي أن  نستدل على ذلك بما تعانيه العربية في التعليم التقني والعلمي، الذي يخرج أفواجا من المسؤولين عن إدارة الاقتصاد المغربي. «إذ يبدو أن عالم المهن والتقنيات يحكمه منطق آخر، غير منطق التربية والتأهيل، وإنما منطق السوق والحاجة، فالذي يحكم التوجه السياسي هو منطق نفعي/ ربحي يغيب كل مرتكزات الهوية، وهذا يتجلى في التواصل بلغات أخرى، وكذا في مضمون المواد الملقنة» يقول فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية. واستدل على ذلك بمثال مضاد للرئيس البرازيلي السابق حين قال : «لا يمكن تحقيق نهضة اقتصادية إلا بوحدة لغوية تقدم لـ120 مليون شخص المعرفة بلغتها». وأوضح أن الخطة منذ إفشال التعريب كانت هي خلق الانفصام في الذات المغربية بين مسارين علميين: مسار العلوم الحقة باللغة الاستعمارية، ومسار الخطب والأشعار بلغة الضاد، مما قوى الوهم بعدم قدرة العربية على مواكبة الحداثة والتعبير عن التطور العلمي. وأضاف، ذات المتحدث، أن النتيجة الطبيعية لهذه الفوضى هي أزمة التعليم التي عجز الجميع أمامها، لأن الغاية هي خلق ارتباك في المدرسة يشغل المتلقي عن الإبداع في شتى الميادين. وأشار، في نفس السياق، إلى أنه يكفي الاطلاع على التقرير الأخير لليونيسكو عن التعليم «تقرير رصد التعليم العالمي لعام 2017»، والذي أكد أن التعليم المغربي أصبح أداة لتكريس الفوارق الاجتماعية، وتردي العرض التعليمي…

 

شاهد أيضاً

نجلاء أيت كريم تكتب: من تدعم حماس للرئاسيّة ؟

نجلاء أيت كريم (*) بعد قرار البرغوثي دعم القدوة في الانتخابات التشريعيّة القادمة، بدأت العديد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *