الرئيسية / اقتصاد / عندما يضيق المضيق بأهله

عندما يضيق المضيق بأهله

اختناق حاد يعرفه ميناء طنجة المتوسط بسبب تدفق أعداد استثنائية من المسافرين فاقت قدرة الميناء الاستعابية، وتسبب هذا في مشاكل متنوعة للمواطنين العائدين لأعمالهم بعد العطلة. فهل الأمر ظرف استثنائي قاهر أم أننا عاجزون عن تدبير عملية العبور؟

ما يحدث بميناء طنجة المتوسط منذ ال29 من غشت إلى اليوم أزمة اكتظاظ استثنائي. في يوم واحد بلغ تدفق المسافرين رقما قياسيا وحركة مرور استثنائية وصلت إلى حوالي 53 ألفا و137 مسافرا 10 آلاف و510 سيارة. وهذا يعني تجاوز طاقة الميناء بالثلث وينتج عنه طبيعيا وبشكل مباشر مدة انتظار تصل ثلث يوم أي ثمان ساعات وطابور سيارات بطول خمسة كيلومترات. بحصول هذا الاختناق تتباطأ العملية برمتها وتزداد الحدة مع توالي الساعات بازدياد طول الطابور وتمدد ساعات الانتظار. وبطبيعة الحال يرافق هذا بروز مشاكل جانبية مثل عدم كفاية المرافق الصحية لكل المنتظرين واحتياج هؤلاء إلى الأكل وبعض الخدمات الأخرى.

الحقيقة أن تدفق أكثر من 53000 مسافر في يوم فاجأت الجميع وأربكت الجميع. نحن أمام أزمة حقيقية والمشكلة في طريقة تدبير الأزمة. يعني لما تدفق هذا العدد في يوم واحد, “قضي الأمر” ولم يعد بوسع أي كان أن يجعلهم مثلا 20000 فقط.

وازدادت حدة المشكل بتزامن ذروتين هذا العام: ذروة العودة العادية في نهاية شهر غشت وذروة عيد الأضحى. ولكن وإن توقع المعظم هذا، لم يتوقع أحد مثل هذه الأعداد .

لما تحدث مشاكل في مطارات أوربا بسبب الأحوال الجوية أو إضرابات يكون التصرف المناسب هو تحسيس الناس بالأزمة وإعطاء بدائل. ويحدث هذا في عطل أعياد الميلاد عندهم.

وهذا نسبيا حدث عندنا، فكاتب الدولة وسلطة الميناء نبهوا إلى الاكتظاظ ودعوا الناس إلى إعادة النظر في برامج رحلة عودتهم لتفادي أيام الذروة. لكن الكل وجد نفسه في الفخ: المسافرون بقوا يستمتعون بالعطلة لآخر لحظة ولم يعد بإمكان معظمهم التأخير، والمسؤولون عن عملية العبور لهم طاقات استيعاب محدودة وليس بإمكانهم توسيعها بين عشية وضحاها.

ومثل هذه الأزمة، وبدرجات أقل حدة تحدث عندنا في أيام العيد (كل عيد) في القطارات، ومحطات الحافلات، ومحطات الأداء في الطريق السيار، وأثناء الديربي، ونهائي عصبة الأبطال والسوبر.

البعض سيقول على بوليف أن يستقيل ! ولم يتحدث أحد عن مديرية الملاحة التجارية مع أنها أقرب للمسؤولية من كتابة الدولة، ربما لعدم العلم بوجود هذه المديرية اساسا وبمن يقف على رأسها.

و بكل موضوعية، لا أحد يملك حلا آنيا !!!. لأن الحل يتم بسياسة أخرى لا تتعلق مباشرة بهذا الخط : طنجة/ الخزيرات.

الإسبان ينظرون لعملية العبور عبر مضيق جبل طارق من زاوية مختلفة تماما. إذ يعتبرونها فرصة ويبحثون كيف يستفيدون منها بأقصى قدر ممكن. ونحن ننظر إلى العملية من زاوية المشكلة. إذ نعتبرها معضلة تحل علينا كل صيف ونبحث لها عن مخرج.

في اعتقادي الخلل في سياسة النقل البحري ككل وليس في خط واحد هو طنجة الخزيرات وبضعة أيام في السنة من نهاية شهر غشت.

الإسبان قبل ثلاث سنوات كانوا يتدارسون فيما بينهم فكرة “توسيع المضيق” وهو مفهوم يقتضي خلق خطوط بحرية أخرى شرقا وغربا عن الخط التقليدي طنجة / الجزيرة الخضراء.

هم ينظرون لعملية العبور عبر مضيق جبل طارق من زاوية مختلفة تماما. إذ يعتبرونها فرصة ويبحثون كيف يستفيدون منها بأقصى قدر ممكن. ونحن ننظر إلى العملية من زاوية المشكلة. إذ نعتبرها معضلة تحل علينا كل صيف ونبحث لها عن مخرج.

وبشكل غير مباشر تسيطر هذه الفكرة على كل من يتولون مسؤولية في تدبير جانب من عملية مرحبا: بل يتواصون بحسن الاستعداد “للمشكلة” ويحذر بعضهم بعضا من كون هذه العملية “تطيح برؤوس” حالة تعثرها.

وبمجرد ما اختنق الميناء وطالت طوابير السيارات وتمددت ساعات الانتظار، خرج البعض يكتب من زاوية المشكلة فقط وينادي بتحديد المسؤوليات وقطع الرؤوس.

ويتفنن بعض الإعلاميين في الدراما، فيتحدثون عن النساء الحوامل ومرضى السكري والأطفال الرضع ومعاناتهم في طابور الانتظار.

البعض كتب أن المرافق غير كافية. والحقيقة أن المرافق لم توضع من أجل تدفق 54000 مسافر في يوم واحد. والبعض تحدث عن قنينة الماء ب15 درهم, والوجبة الخفيفة ب 100 درهم وربط مثل هذه المضاربات  بكتابة الدولة  في النقل!!!

كاتب الدولة بوليف لما وقعت الأزمة تصرف تصرفا مقبولا: يتابع، يكتب، سافر مرتين لعين المكان، الخ…

لكن مشكلته هي عندما لم يكن ازدحام، وكان منصبه ومنصب وزيره يقتضي أن يخطا سياسات ناجعة، لم يفعلا.

تركا الأمر للاختلالات تعربد في القطاع: رخص منحت خارج طلبات العروض ودون دفتر تحملات، شركات لا تراقب بحزم من حيث ملاءمتها مع كل القوانين، تعيينات بالمحسوبية والزبونية، إبعاد الكفاءات وجلب الفاسدين للمناصب و طبعا ترك معظم الساحة للأجانب ضدا على المصلحة الوطنية.

لو كانت عندنا رؤية واسعة لقطاع النقل البحري، لما حشرنا أنفسنا في الزاوية الضيقة ننتظر حلول المصيبة لنتصرف. فإذا كان الإسبان يتحدثون عن توسيع المضيق والفرص التي ما تزال موجودة في هذا الجانب بدليل أن أعداد العابرين في تزايد كل عام، فنحن أولى بهذا التوسيع وبهذه الفرص لأن المضيق مضيقنا والعابرون أبناؤنا.

المشكلة، كما قال شاعر عربي ليست في ضيق المضيق ولا المدة الزمنية لعودة المسافرين، بل في ضيق أحلامنا.

ولعمري ما ضاق زمان بأهله، ولكن أحلام الرجال تضيق.

 

 

 

عن حمو جديوي

شاهد أيضاً

محمد السادس يعين إدريس الكراوي رئيسا لمجلس المنافسة

استقبل الملك محمد السادس، اليوم السبت 17 نونبر 2018، بالقصر الملكي بالرباط، إدريس الكراوي، وعينه …

تعليق واحد

  1. Iكلامك على صواب يجب اقالة قبطانية الميناء وتجديدها باطر كفؤة بدون تدخلات ولا زبونية قادرة على رصد الأزمات والتنبيه اليها قبل حدوتها لان قبطانية الميناء تلعب دورا في تسيير البواخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *