أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وفن / بوعلي: العربية ليست ضعيفة وقوتها الذاتية أثبتتها في زمن النهضة العربية

بوعلي: العربية ليست ضعيفة وقوتها الذاتية أثبتتها في زمن النهضة العربية

سبق لجريدة “المستقبل”، في نسختها الورقية، أن اختارت في أول عدد لها بتاريخ 10 نونبر 2017، التطرق إلى موضوع اللغة العربية، وأسباب تهميشها، ومن المسؤول عن حمايتها. وأسئلة أخرى يجيب عنها في هذا الحوار  الأستاذ فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية:

المستقبل: إلى أي حد تتحمل الدولة المغربية مسؤوليتها القانونية والوطنية والإسلامية والعربية في حماية اللغة العربية، باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد بموجب الدستور؟
بوعلي: لامناص من التأكيد أن اللغة العربية هي أكبر من مجرد آلية تواصلية، بل هي منظومة من القيم تحوي في ثناياها سمات تميزها: فهي لغة القرآن، وعنصر الوحدة الاجتماعية بين المغاربة، وآلية تمثل العمق الاستراتيجي للدولة في علاقاتها بالجنوب والشمال… مما دفع الدولة، عبر الدساتير المتتالية، إلى التنصيص على رسميتها وعدم المس بمكانتها. فمن الثابت أن للغة الضاد مكانة هامة داخل البناء النظري المنظم للإدارة المغربية، كما أن لها حضورا مميزا في جل أشكال التخاطب الإعلامي والسياسي، حيث تحظى بأهمية متوارثة داخل منابر الصحافة والإذاعة، دون أن نغفل وضعها داخل النقاشات السياسية. إذ ظلت النخبة الحزبية، على اختلاف ألوانها وأطيافها، تنادي بضرورة الاهتمام بلغة الضاد باعتبارها لغة هوية وانتماء. كل هذه الحقائق المكتوبة والمقيلة تثبت المكانة التي تحظى بها العربية على الصعيد النظري، لكنها على الصعيد التربوي والإداري والتواصلي في الشارع العام تقابل بتصور آخر : تصور المجافاة والتهميش، بل المحاربة أحيانا، مما يعطيها صورة لغة تاريخ وماض نتبرك بذكره، ولغة متاحف وأساطير نستعملها عند المحاجاة. أما اعتبـارها لغة علـم وتقنـية وسوق وإنتاج، فذاك ما تحاول العديد من الدوائر طمسه، والإبانة عن عجز لغة الصحراء والقوافل عن مسايرة عالم الأنترنيت والبورصة. فبعيدا عن الخطابات الرسمية والشعارات المغناة باسم الهوية أو الدين، نجد حضور العربية داخل تعليمنا باهتا، وفي إداراتنا شبه منعدم، وفي إعلامنا شاحبا، بحيث لا تؤدي الدور المنوط بها كلغة رسمية، كغيرها من اللغات القومية في كل دول العالم. والعامل الأساسي في هذا الوضع هو غياب الإرادة السياسية التي تفرض احترام الدستور وثوابت الأمة، بل إن ما يجري حاليا في دواليب وزارة التعليم هو انقلاب مكتمل الأركان : انقلاب على الدستور وعلى الثوابت.

س: لماذا يلجأ العرب إلى لغة أخرى من أجل التحدث بها عوض لغتهم الأم، وهل يمكن إرجاع ضعف اللغة العربية، اليوم، إلى العرب أنفسهم؟
ج: يرتبط الأمر بالهزيمة الحضارية التي يعانيها العرب، فاستخدام اللغات في التعليم والتواصل مرتبط بحالة اجتماعية ونفسية خلقت لدى المغربي والعربي عموما، إحساسا بالدونية الحضارية. فالقصور الملاحظ هو قصور العرب في الاعتزاز بذاتهم الثقافية، واللغة تجل من تجليات الأزمة.

س: من المسؤول الأول، في نظركم، عن الضعف والهشاشة اللذين أصبحت تعانيهما اللغة العربية التي تسير في اتجاه أن تصبح «لغة دينية» يقتصر استخدامها فقط على قراءة القرآن وكتابته وغيرها؟
ج: أولا، العربية ليست ضعيفة، لأن قوتها الذاتية أثبتتها في زمن النهضة العربية حين استوعبت العلوم والمعارف، سواء في بنيتها المعجمية أو التركيبية أو الدلالية، أو في ارتباطها الذاتي بالوجدان العربي. وإذا نظرنا إلى الأمر وظيفيا، وحتى إجرائيا، بعيدا عن لغة الشعارات والعواطف، فاللغة الوطنية والقومية هي أكبر من مجرد أداة تواصل، بل هي حاملة لعالم من المعاني والمشاعر والأحاسيس، حتى قارن اللسانيون الألمان بين تركيب اللغة وتركيب العالم. واللغة الوطنية هي وعاء لتوصيل المعرفة. فهل رأيتم شعبا متقدما يقدم المعرفة بغير لغته الوطنية؟ أستبعد ذلك، والمثال الحي أمامنا اليابان، فبالرغم من الصعوبة التركيبية للغة اليابانية، فإن كل المعارف تقدم باللغة الأم، وتأتي الإنجليزية في المرتبة الثانية. فلم نصر على تقديم المعرفة بلغة موليير التي أصبحت هي ذاتها تعاني من التهميش والتحقير والماضوية؟ لكن الإشكال هو في أذهان مدبري الشأن العام، حيث انتقلت العربية في خطاب صناع القرار السياسي من لغة هوية إلى لغة على هامش التنمية. فغدا خطاب التنمية موجها بآليات غير عربية.

س: ماهي في نظركم الوسائل والمقترحات التي ترونها ناجعة للنهوض باللغة العربية وإعطائها حقها الذي تستحقه، بصفتها اللغة الوطنية الرسمية بالبلاد؟
ج: أتصور بأن النهوض باللغة العربية ينبغي أن ينطلق من رؤية شاملة تستفيد من المنجزات العربية في المجال وتقترح تصورات للمستقبل. فهناك مداخل عدة، منها العلمي، واللساني، والتعليمي، والتواصلي… وكلها أنجز فيها الكثير وتحتاج إلى استثمار المنجزات. فعلى سبيل المثال، هناك اعتقاد عند النخبة المفرنسة بقصور العربية وعدم تهييئها للتعبير عن منجزات المعرفة المعاصرة. ويفند هذا الأمر ما حققته مكاتب التعريب والترجمة، ومجامع اللغة العربية وغيرها، من ترجمات ومتون اصطلاحية، يمكنها أن تستعمل في التعامل الإداري والإعلامي والعلمي. لكن تبقى الإرادة السياسية هي الفيصل والغائب في المعادلة. لذا، فأي نهوض بلغة الضاد لن يتم إلا من باب سياسة وتخطيط لغويين يؤمنان بقوة العربية الذاتية، وبقدرتها على النهوض بالواقع العلمي والتربوي للمغاربة، وكذا دورها في الحفاظ على اللحمة الاجتماعية.

شاهد أيضاً

قراءة في “سوانح امرأة عادية بين الألم والأمل” للشاعرة نعمة ابن حلام

د. عمرو كناوي أود أن أشير، في البداية، إلى أن مقاربة فضاءات العملين الشعريين، للشاعرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *