لطالما كان التخطيط للرحلات على الكواكب الأخرى عملية بالغة التعقيد والبطء، حيث يقضي المهندسون في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا (JPL) ساعات طوال في تحليل الصور الملتقطة من المدار لرسم “مسارات آمنة” وتحديد العقبات والصخور التي قد تعوق حركة الروبوتات. ومع ذلك، شهدت تكنولوجيا استكشاف الفضاء طفرة ثورية غير مسبوقة؛ حيث كشف مهندسو الوكالة عن نتائج تجارب رائدة استخدمت نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي كلود (Claude) من شركة Anthropic لتصميم وتوليد مسارات القيادة للمركبة الفضائية Perseverance على سطح المريخ بشكل مستقل، مما أسفر عن نجاح المركبة في قطع مسافة 456 متراً استناداً إلى توجيهات الذكاء الاصطناعي.
كيف تم فك رموز التضاريس المريخية عبر الذكاء الاصطناعي؟
في هذه المناورة التقنية المبتكرة، قام المهندسون بتزويد النموذج اللغوي البصري “كلود” بصور فضائية عالية الدقة التقطتها كاميرا (HiRISE) المثبتة على مسبار استطلاع المريخ، إلى جانب نماذج الارتفاع الرقمية للتضاريس. وبفضل قدراته المتقدمة في معالجة الصور وفهم العلاقات المكانية، قام نموذج الذكاء الاصطناعي بتحليل طبيعة السطح, وتحديد المنحدرات الخطرة، وحقول الصخور البركانية، والفخاخ الرملية الناعمة التي قد تغرق فيها عجلات المركبة. وعقب التحليل، قام “كلود” بتوليد نقاط التحرك (Waypoints) وصياغة الأوامر البرمجية بلغة “لغة ترميز المركبة” (RML) المعتمدة لدى ناسا لإرسالها مباشرة إلى المريخ.
تقليص زمن التخطيط بنسبة 50%: قفزة في كفاءة البعثات الفضائية
تكمن الأهمية القصوى لهذا الإنجاز في توفير الوقت والجهد البشري؛ إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن إدخال النماذج الذكية التوليدية في عملية التخطيط للملاحة قد يقلص الزمن المستغرق لإعداد الرحلات اليومية بنسبة تقارب 50%. هذا التوفير يتيح للعلماء قضاء وقت أطول في تحليل العينات الصخرية وإجراء التجارب العلمية بدلاً من الانشغال بالتفاصيل الهندسية المعقدة للمسار. وبالرغم من اعتماد المسارات على الذكاء الاصطناعي، يحرص مهندسو ناسا على الحفاظ على “الإنسان في الحلقة” (Human-in-the-loop)، حيث يقوم خبراء الملاحة بمراجعة واختبار المسار المقترح في بيئة محاكاة افتراضية على الأرض قبل رفعه الفعلي للمركبة.
التكامل مع نظام الملاحة الذاتي Onboard AutoNav
يعمل الذكاء الاصطناعي الأرضي (مثل كلود) على وضع “الخطوط العريضة والممر الآمن العام” للمركبة من الفضاء، بينما تتكفل أنظمة الملاحة الذاتية المركبة على متن Perseverance (المعروفة بـ AutoNav) بإجراء التعديلات اللحظية وتجنب الصخور الصغيرة المفاجئة أثناء الحركة الفعلية على السطح. هذا التكامل الهجين بين ذكاء اصطناعي يحلل التضاريس كلياً من المدار وذكاء اصطناعي محلي يتفادى العقبات لحظياً على الأرض يمثل النموذج الأمثل لمستقبل الملاحة الفضائية المستقلة.
نحو استكشاف العوالم البعيدة والمظلمة في المجموعة الشمسية
تتجاوز أهمية هذه التجارب كوكب المريخ لتصل إلى آفاق أبعد؛ فالرحلات القادمة إلى عوالم أشد بعداً مثل قمر المشتري “أوروبا” أو قمر زحل “تيتان” ستعاني من تأخر هائل في الاتصالات يمتد لساعات، مما يجعل التحكم البشري اللحظي مستحيلاً. إن بناء وتطوير أنظمة ملاحة معززة بالذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة على قراءة البيئة وتحديد المخاطر وصياغة خطط الحركة ذاتياً هو المفتاح الأساسي لتمكين المركبات الفضائية المستقبيلية من استكشاف أعماق الفضاء الخارجي وحل أسرار نشأة الكون بشكل مستقل وآمن.

