في كشف علمي مثير للقلق حول التأثير السيكولوجي والفكري للتكنولوجيا على وعي الأفراد، نشر باحثون من معهد أكسفورد للإنترنت بالتعاون مع معهد هاسو بلاتنر دراسة تحليلية تكشف كيف تقوم أدوات كتابة وتحرير النصوص المدعومة بالذكاء الاصطناعي بفرض “الانحياز السياسي للذكاء الاصطناعي” بشكل خفي وصامت، وتغيير صياغات وآراء المستخدمين حول قضايا سياسية واجتماعية حساسة دون وعي مباشر منهم أثناء تعديل مسوداتهم.
كواليس التجربة: كيف يوجه المساعد الذكي قلم الكاتب؟
اعتمدت الدراسة على رصد تفاعلات مئات المستخدمين أثناء صياغتهم لمقالات ورسائل تعبر عن وجهات نظرهم في موضوعات خلافية مثل سياسات الضرائب، والرعاية الصحية، والتغير المناخي، باستخدام مساعدين ذكيين للكتابة. وأظهرت النتائج أن الأدوات لا تكتفي بتحسين القواعد اللغوية أو إعادة الصياغة البلاغية؛ بل تميل لتعديل السياقات الفكرية واقتراح مفردات ذات أبعاد سياسية موجهة تدفع النص نحو تبني توجه سياسي معين، مما جعل المستخدمين يتبنون هذه التغييرات بنسب تفوق 70% نتيجة الثقة المفرطة في الآلة.
التحيز الخوارزمي المضمن: أثر بيانات التدريب الغربية
يفسر الباحثون هذا الانحياز بكونه نتيجة مباشرة لبيانات التدريب الضخمة التي بنيت عليها هذه النماذج؛ إذ تعتمد النماذج بشكل رئيسي على نصوص ومقالات مستمدة من الإنترنت والمنصات الإخبارية الغربية، وهي مواد محملة مسبقاً بتحيزات ثقافية وفكرية محددة. ومع قيام الآلة بتمثيل هذه البيانات وتوليد نصوص جديدة منها، فإنها تعيد تدوير هذه الانحيازات وتفرضها كمعايير لغوية وفكرية عالمية؛ مما يهدد بالتنوع الفكري والثقافي ويعزز من نمطية التفكير العالمي في الفضاء الرقمي المشترك.
أبعاد الخطورة على الديمقراطية وحرية التعبير
تحذر الدراسة من أن الاستخدام الواسع لهذه الأدوات في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والسياسية قد يؤدي لإنشاء “هندسة أفكار صامتة” تخدم توجهات سياسية معينة دون حاجة لفرض رقابة تقليدية أو حجب للمواقع. فبدلاً من منع الناس من الكتابة، تقوم الآلة بتوجيه أصابعهم وأفكارهم بلطف نحو الصياغات المقبولة خوارزمياً؛ مما يستدعي وضع أطر أمان وشفافية تتيح للمستخدمين معرفة طبيعة التوجه الفكري للنموذج المستخدم، والقرار على تعطيل التوجيه الأيديولوجي لضمان بقاء القلم تعبيراً حراً وحقيقياً عن عقل صاحبه.

