في الوقت الذي يركز فيه النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي على تهديدات البطالة واختراق الخصوصية، ناقشت قمة جنيف الدولية للذكاء الاصطناعي وجهاً آخر وخفياً للأزمة وهو الاستهلاك الفلكي للموارد الطبيعية. وكشفت دراسات بيئية قدمت في المؤتمر أن استهلاك الطاقة في مراكز البيانات المخصصة لتدريب وتشغيل النماذج الفائقة قد يقفز بحلول عام 2030 ليتجاوز استهلاك دول صناعية كبرى بأكملها؛ مما يهدد بتعطيل خطط التحول الأخضر ومكافحة الاحتباس الحراري العالمي.
أرقام مقلقة: استهلاك الكهرباء يفوق طاقة دول بأكملها
وتشير التقديرات العلمية المعروضة في المؤتمر إلى أن تشغيل خوادم الحوسبة السحابية اللازمة لعمليات الاستدلال المعقدة للذكاء الاصطناعي يستهلك حالياً كميات هائلة من الطاقة؛ حيث تتطلب العملية الحسابية الواحدة طاقة تفوق أضعاف ما يستهلكه البحث التقليدي عبر محركات البحث. ويتوقع الباحثون أنه بحلول نهاية العقد الحالي، قد يلتهم قطاع الذكاء الاصطناعي أكثر من 4% من إجمالي الإنتاج العالمي للكهرباء، وهو ما يعادل استهلاك قارة بأكملها؛ مما يضع شبكات الطاقة الوطنية تحت ضغط تشغيلي مستمر قد يؤدي لارتفاع أسعار الكهرباء للمواطنين.
أزمة المياه الصامتة: تبريد مراكز البيانات يستنزف الأنهار
الجانب الأكثر خطورة وصمتاً في الفاتورة البيئية هو الاستهلاك الكثيف للمياه العذبة؛ حيث تحتاج خوادم المعالجة الفائقة لملايين اللترات من المياه يومياً لتبريد المكونات المادية المشتعلة ومنع تلف المعالجات الدقيقة. وتكشف التقارير البيئية أن مراكز البيانات الكبرى يتم بناؤها بالقرب من مجاري الأنهار ومصادر المياه العذبة، وتؤدي عمليات التبريد لتبخير ملايين الأمتار المكعبة وتلويث الحرارة المائية المحيطة؛ مما يهدد الحياة البيئية المائية ويؤدي لتعميق أزمات الجفاف وتناقص المياه الصالحة للشرب في المناطق المحيطة بها.
حوسبة خضراء ومستدامة: البدائل والحلول المقترحة
دعت قمة جنيف الهيئات التنظيمية والشركات التقنية الكبرى لتبني سياسات حاسمة للانتقال إلى “الحوسبة الخضراء المستدامة”. ويشمل ذلك إلزام الشركات ببناء مراكز بياناتها في مناطق باردة طبيعياً (مثل دول القطب الشمالي) للاستفادة من الهواء الطبيعي في التبريد، واعتماد مصادر طاقة متجددة ونظيفة بالكامل (مثل الطاقة الشمسية والنووية الآمنة) لتشغيل الخوادم. ودون هذه الضوابط البيئية الملزمة، ستتحول تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي -التي نأمل أن تحل أزمات البشرية- إلى عامل أساسي في تفاقم أزمة التغير المناخي والبيئي التي تهدد وجودنا على الكوكب.

